شناويات...!
......
كان يجب أن أكون أنيقًا بما يكفى لحضـور هذا اللقاء المهم - الذى خططت له منذ أسبوعين فى أحد أبراج المعادى المطل على النيل، وكعادتى - حرصت على أن لا أنسى أى شئ، وأن لا أتأخر عن موعدى ثانية واحدة.فى الطريق الطويل كنت أشغل نفسى بالإجابة عن ما يمكن أن أتوقعه من أسئلة جيدة أو مملة، وأعد أسئلة قصيرة هادفة، أُحاصر بها جوانب الهدف من اللقاء. وفى الطريق شق السكونَ صوتُ المؤذن لصلاة المغرب، أحسست أنه ينادينى أنا بصفة خاصة، وبعد دقائق لا حت لى إحدى الزوايا، فعرجت إليها أطلب صلاة المغرب.
على بابها وجدت كمًا هائلاً من الشباشب وأنصاف الأحذية من كل نوع، حملت حذائى الجديد فى يدى ودخلت لأجد المصلين قد فرغوا من الصلاة، وبدا لى أنى سأصلى منفردًا.
تركت الحذاء وسط أحذية أخرى فى نهاية الزاوية ودخلت أبحث عن مكان أصلى فيه. شئ من عدم الرضا بدأ يقلقنى – كيف أعطى ظهرى للحذاء وأبحث عن التركيز فى صلاتى؟ وقبل أن أبدأ الصلاة، خطر ببالى أن أضع الحذاء قريبًا منى، فأدرت نفسى وذهبت إلى مكانه فلم أجده، فاشتعلت رأسى نارًا، ولاح لى عدد غير قليل من الأسئلة التى لا إجابة لها... طارت عيناى تتصفح المغادرين بعناية، فلمحت حذائى فى يد رجل سـتينى، طوى يده إلى بطنه ليخفى الحذاء عن من خلفه، فلحقت به قبل أن يضع قدمه خارج الزاوية، ومسكت ذراعه بيدى اليمنى، وباليسرى مسكت حذائى وأخذته من يده، فصاح شاب كان يمشى خلفه، "فيه إيه؟"... وانتبه الرجل الستينى قائلا: مالك ياحاج؟ فقلت له: حاج؟ أنت سرقت حذائى يامصلِّى... ثم نظرت إلى الشـاب، وقلت له مبتسمًا: إسأل ابوك وتعالى قل لى.!!!
ياربى... ماذا لو لم أجد الحذاء؟ لا يوجد بالمنطقة محلات لبيع الأحذية... وسوف أضطر لآخذ أحد الشباشب الرديئة المخصصة للمراحيض وأمشى به فى الشارع، وسأضطر لإلغاء اللقاء أو تأجيله.
المهم أنى وضعت الحذاء بين قدمَىّ، ووقفت لأصلى هذه المرة خالى البال، فأشار علىّ أحد الحضـور (لم يعرف ماذا حدث)، أن أترك حذائى فى مكان الأحذية، فلم أرد عليه... فاعتقد أنى لا أفهم... فأمسك بذراعى ونبهنى إلى ضرورة ترك الحذاء فى مكانه... فابتسمت له، وجلست على الأرض وارتديت الحذاء داخل المسجد، ثم وقفت قائلا: روح هات البوليس. بقى.. سأصلى والحذاء فى قدمى، ليخلو بالى للصـلاة... ثم نويت الصلاة، والرجل مشمئز لا يكف عن الكلام... فلما فرغت من صلاتى كان هناك عدد غير قليل من الناس فى انتظارى، سألنى أحدهم: (إنت منين؟ بتتكلم عربى؟)... وآخر: (الصلاة بالجزمه حرام ياأستاذ).... وثالث: (الراجل ده تلاقيه أول مره يصلى)... وآخر: (آه - لسه جديد على الكار... إيه الخيبه دى... هى الناس جرى لها إيه؟) كل هذا وأنا أضحك... وخرجت من المسجد مطمئنًا - أحمد الله وأشكره على النجاة من هذا الموقف الرِخِم جدًا.
فهل يجب أن أصلى خارج المسجد كى يصفو ذهنى للصلاة، أم أصلى داخل المسجد وقلبى معلق بالحـذاء...؟